المولد النبوي الشريف: إعادة ترتيب العقل والسلوك

 المولد النبوي الشريف: إعادة ترتيب العقل والسلوك

​بقلم: المفكر والكاتب (قلم السلام) حمدي قنديل

​ليس الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مجرد مناسبة زمنية تُستحضر فيها الذكريات عبر الأناشيد والمظاهر، بل هو في جوهره محطة عملية لـ "إعادة ترتيب المسلمين" من الداخل، وترميم ما أفسدته الحياة في سلوكهم ومعاملاتهم. إن المولد النبوي هو نداء سنوي يستنهض فينا المعنى الحقيقي للاقتداء بالذي بَعَثَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

​مقام الرسول عند ربه: تشريفٌ وتكريم

​قبل أن نقتدي به في الأرض، يجدر بنا أن نتأمل قدره عند رب السماء؛ فقد رفعه الله مكاناً عليّاً وجعل قرين اسمه في الشهادة، وأثنى على خُلُقه ثناءً خالداً:

​عظمة الخُلُق الإلهي: قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

​عظمة المقام والمعية: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

​عظمة الرسالة للبشرية: قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

​مقام الرسول للناس: قدوةٌ وأسوةٌ ونور

​أما مقامه ﷺ بين البشر، فهو المعلم والأب والرحمة المداواة التي تُصلح الفرد والمجتمع:

​الأخلاق هي الرسالة: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ» [رواه أحمد].

​المعيار الحقيقي للاتّباع: قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

​حقيقة الإيمان والصلة بالغير: قال ﷺ: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [متفق عليه].

​الصلاة على النبي: عهدُ حُبٍّ وسلوك

​الصلاة على النبي ﷺ حين تصدر من مؤمن صادق لا تُقاس بجمال اللفظ وحده، بل بأثرها المباشر في حركة الإنسان اليومية:

​الصلاة بالصدق والعمل: أن تصلي عليه يعني أن تتحرى الصدق، وتكون سفيراً لأخلاقه؛ قال ﷺ: «إنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا» [رواه الترمذي].

​الصلاة بالرحمة والعطاء: أن تصلي عليه يعني أن تكون سفيراً للخير من نفقة وصدقة وزكاة وذكر وعبادة.

​الصلاة بالإصلاح: الصلاة الصادقة تُحول صاحبها إلى عنصر بناء يُصلح في أرض الله ولا يُفسد.

​رسالة إلى الناقد والمعارض: ما الذي يضرك؟

​إلى كل من يقف موقف النقد أو التحفظ أمام إحياء هذه الذكرى: دعونا نتجرد من الخلاف لننظر إلى الثمرة والجوهر.

​ما الذي يضرك من شعبٍ أو أمةٍ تجتمع على الصلاة على نبيها، وتتذكر سيرة الرحمة والعدل، وتتحرك نحو إطعام الطعام، وصلة الأرحام، وتعديل السلوك نحو الأفضل؟

​إن كان حاصل الذكرى هو الدعوة إلى الصلاح والتسامح والارتقاء بالأخلاق العامة، فإن هذا أصلٌ يجمع ولا يُفرق، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

​دعوة إلى العالم: استكشفوا نبي الرحمة

​وهي نداء مفتوح لكل إنسان على هذه الأرض ليتعرف على محمد ﷺ بعيداً عن التشوية؛ فلم يكن ﷺ مجرد قائد تاريخي، بل كان نموذجاً إنسانياً فريداً؛ غيّر مجرى البشرية باللين والعدل؛ قال تعالى مخاطباً نبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

​إن أصدق وسيلة لنشر هذه الدعوة اليوم هي أن يرى العالم أخلاق نبيه متجسدة في أتباعه؛ سفراء حقيقيين للرحمة والسلام.

إرسال تعليق

أحدث أقدم